الخميس 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > إصدارات الرابطة > أسرار التوراة - تأليف روجيه صبّاح - ترجمة صالح البشير

أسرار التوراة - تأليف روجيه صبّاح - ترجمة صالح البشير

الثلاثاء 1 كانون الثاني (يناير) 2008

شارك اصدقاءك هذا المقال



ترجمة صالح بشير

كلمة الغلاف

يفجّر هذا الكتاب كل معارفنا اليقينية عن أول ديانة توحيدية في التاريخ، ويعيد تأويلها بعكس منطوقها الظاهري. ويستثير فينا بالتالي ضرورة إعادة النظر من جديد في كل تاريخ البشرية، بل وفي اعتقاداتها واعتقاداتنا أيضا. فهذا الكتاب، الذي لا يحمل إدانة للتوراة أو تكذيباً لها، سيبحث في خباياها التي أودعها إياها كَتبتُها، ليستنتج أن التوراة ليست سوى مدونة للشعب المصري، الذي كانت قد وقعت بلاده تحت نير الغزاة البابليين، وللديانة الفرعونية التي كانت أول ديانة توحيدية في التاريخ.

ويبين لنا الكتاب أن العبرانيين ليسوا سوى شعب خيالي وليس لهم أي حقيقة تاريخية، فهم أنفسهم المصريون بعد أن خسروا حضارتهم تحت وقع الغزاة. وليس موسى غير رعمسيس الأول، وليس هارون غير الفرعون حورمحب. بل إن إله التوراة ليس غير إله الفراعنة نفسه.

لا يتوصل الكاتب إلى نتائجه هذه من خلال تفسير تأملي للنصوص التوراتية، بل عبر مقارنة مشبوكة مع النصوص الفرعونية المصرية ومع التلمود (تلمود بابل وتلمود أورشليم) ومع القبّالة وهي الكتاب الجامع للمرويات والموروثات الشفهية التي تناقلها الحاخامات سراً يوما بعد يوم، معتمدا على ما انتهى إليه غيره من الباحثين وعلماء المصريات الذين فكروا في هذا الاتجاه.

مؤلف هذا الكتاب، روجيه صبّاح، ينتمي إلى أسرة عريقة من الحاخاميين والربانيين وهو يتقن الآرامية فضلاً عن العبرية التوراتية، وقد أقام في مصر عدة سنوات لإعداد بحثه، وكان أصدر مع أخيه الراحل مسعود صبّاح كتاباً عن أسرار سفر الخروج أثار في حين صدوره ضجة كبيرة وترجم إلى العديد من اللغات العالمية.

من المقدمة

لماذا يظهر فراعنة التوراة بمظهر الكائنات الكريهة اللعينة في نظر الديانات التوحيدية الثلاث؟ إذ لم توفر اليهودية والمسيحية والإسلام أقسى الألفاظ في هجاء مصر القديمة واتهامها بالوثنية. فلماذا كان على ذلك البلد، بالرغم من حضارته الممتدة على ثلاثة آلاف وخمسمئة سنة، أن يرزح إلى الأبد تحت نير لعنة الكتب المقدسة؟ ولماذا كل تلك الكراهية بين العبرانيين والمصريين؟

عندما تأتي التوراة، للمرة الأولى، بذكر من تكتفي بالإشارة إليه دون تخصيصٍ باسم «فرعون»، فإنها لا توفره هو بدوره. جاء ذلك في سياق قصة إبراهيم: يهرب جد بني إسرائيل من المجاعة التي كانت مستشرية في بلاد كنعان (يهوذا) ويلجأ إلى مصر. يطلب من زوجته سارة أن تكذب وأن تقدم نفسها على أنها أخته. ينبهر الفرعون بجمالها الفائق، فيتخذها زوجة. لكن النص يعلمنا أن الله سلط على مصر، خلال الليل، مصائب كثيرة... لماذا هذا الإجحاف؟

غير أن العبرانيين لا يلقون، من النص التوراتي، معاملة أفضل. إذ يوصفَون، منذ بداية قصة يوسف، بأنهم رجس بالنسبة إلى المصريين:

«لأن المصريين لا يقدرون أن يأكلوا طعاما مع العبرانيين، لأنه رجس عند المصريين». (سفر التكوين، الإصحاح الثالث والأربعون، الآية 32)

«فيكون إذا دعاكم فرعون وقال: ما صناعتكم؟ أنْ تقولوا عبيدكم أهل مواشٍ منذ صبانا إلى الآن نحن وآباؤنا جميعا، لكي تسكنوا في أرض جاسان. لأن كل راعي غنم رجس للمصريين». (سفر التكوين، الإصحاح السادس والأربعون، الآيات 31-34)

ومع ذلك، لا تطلق التوراة اللعنة على مجمل ملوك مصر. فمعظمهم كان ساعيا إلى الحفاظ على السلام من خلال توازن اقتصادي صارم. ففي سفر التكوين، يتمكن الفرعون «الذي عرف يوسف» من استعادة ثقة بلاده، ويسمح بإقامة العبرانيين في «أرض رعمسيس»، فينال مقابل ذلك بركة يعقوب التي «جعلت مياه النيل ترتفع»، فعمّ الرخاء أرض البلاد.

في المقابل، تنحو بدايةُ سفر الخروج باللائمة على فرعون واحد، «ملك مصر الذي لم يعرف يوسف»، لأنه هز استقرار المملكة بتوخيه سياسة تتصف بالغلو والاسترقاق والمغامرة المفضية إلى كوارث، فعرّض الأوضاع إلى الهشاشة والاضطراب. ومنذ تلك اللحظة، يدخل موسى مسرح الأحداث حتى الخروج النهائي للعبرانيين عبر البحر الأحمر. وهذا الفصل الدرامي يصف صدمة «السقوط التوراتي» للإمبراطورية المصرية.

إمبراطورية يتعمد العهد القديم وصفها على شكل «مصريْن»: مصر الخير ومصر الشر، كناية عن وجهين لعملة واحدة... وهنا تبدأ بالارتسام أمامنا توريات مذهلة: فعندما يؤكد النص بأن بقاء مصر يتوقف على وجود العبرانيين، يتولد لدينا حدس بأن مدوّني التوراة أرادوا أن يتجاوزوا، إلى حد بعيد، الواقع الجيوبوليتيكي لشعوب بعينها كانت تعيش على أرض واحدة، ليرمزوا، من خلال العبرانيين، إلى الإنسانية بأسرها، وسنبيّن أن الشعب المصري يحتل داخلها مكانا وأي مكان!

الجزمُ بأن التوراة تنطوي على رسالة يزج بنا في رحلة طويلة بحثا عن أنفسنا. وذلك هو موضوع كتابنا «أسرار التوراة»، إذ أني على يقين من أن التوراة تحمل داخلها سرا عجيبا: رسالة الفراعنة إلى الإنسانية قاطبة. رسالة سلام تم صونها بدأب في قلب الرموز الأصلية التي استخرجناها وفككنا، بأناة، ما استغلق منها.

في هذا الجزء الأول المخصص لموسى، سأبين اعتمادا على معلومات توراتية دقيقة وعلى معطيات أكدها علم المصريات أن التوراة تنطوي فعلا على معنى خفيّ. فعلى خلاف الرأي السائد بين علماء المصريات، توجد شبكة قراءة تجمع بين التوراة ومصر القديمة. وسأقدم اعتمادا على أدلة ناموسية، أوردها وتداولها حاخامات القبّالة، وعلى فكر القدامى وعلى الرموز المصرية، أن أسماء الكثير من الفراعنة تختفي داخل الكتاب المقدس خلف العبرانيين القدامى. لذلك، ينطبق عدد من مقاطع التوراة بدقة على الأوصاف والصلاحيات التي كانت تُنسب إلى الفراعنة من خلفاء أخناتون.

وسأبدأ بالزج بالقارئ في ذلك النسيج التاريخي-الرمزي، ليكتشف، دليلا بعد آخر، حقيقته الساطعة.

هكذا يتوافق اسم موسى نفسه مع اسم رعمسيس الأول، واسم هارون مع اسم الفرعون حورمحب. يروي النص أن موسى، الذي «أُنقِذ من اليم»، تربى في كنف ابنة فرعون (هل يتعين التذكير أن التوراة لا تذكر أبداً اسم ملك مصر، وهو اسم مقدس يُحظر التفوه به؟). ثم إن موسى «يقتِل ناظرا» مصريا كان يضرب عاملا عبرانيا. في اليوم التالي، يعنّف موسى عبرانييْن كانا يتشاجران. سأبين بأن مقتل المصري الذي ضربه موسى لا علاقة له بقتل مجرد ناظر كان يعتدي على عامل، وأن النصوص القديمة كانت تقدم القتيل على أنه ملك مصر، وأن العبرانييْن اللذين عنفهما موسى هما، حسب الروايات المتواترة، ابنا ذلك الفرعون نفسه، وأن الكاهن يثرون، الذي التجأ إليه موسى بعد مقتل المصري (في صحراء مديان على ما يُدّعى) ليس إلا كاهن هليوبوليس الأكبر، الأب الإلهي آي. والسبب أن مشهد الوحي قرب «العلّيقة المتّقدة»· إنما جرى، حسب القبّالة، وهي الكتاب الشارح لأسرار التوراة، داخل حرم المعبد لا في صحراء مديان! بل أكثر من ذلك، فإن الأحداث التي أعقبت ذلك «الانقلاب»، أي مقتل فرعون، كانت، حسب تلك النصوص، من تدبير يثرون وضابطيه، هارون وموسى. فمن يكون، إذن، هؤلاء الأشخاص الثلاثة؟ أذهب إلى أنهم، على التوالي، آي وحورمحب ورعمسيس الأول، الذين تولوا الحكم تباعاً بعد أخناتون وسمنخ كارع وتوتعنخ أمون.

أما ملحمة «عبور البحر الأحمر»، فهي مرسومة بوضوح على جدران عدد من الأضرحة في وادي الملوك، تلك التي تحتوي على أسرار تابوت العهد التوراتي. وهو تابوت كان يحوي عظام يوسف، وهذه كناية يمكن تفسيرها على أنها تعني مومياء أوزيريس...

كل ذلك، وسواه من الأسرار الأخرى المتاحة منذ آلاف السنين، باتت اليوم تستدعي وتتطلب الكشف عنها. وأدعوكم إلى أن تكونوا أول من يشهد ذلك.

لمساعدتكم على تبين طريقكم داخل ذلك الفكر الشاسع الذي ثبّته مدونو التوراة إلى الأبد، إليكم نقاط الاستدلال الضرورية هذه:

بعد موت أخناتون في سنة 1350 قبل الميلاد، وهو الملك الموصوم ﺒ«المبتدع» لأنه تخلى عن آلهة الأجداد لفائدة عبادة إله وحيد وحصري، هو أتون، فرض الفراعنة على مصر العودة إلى ديانة أمون، الإله الوحيد والمتعدد في الآن نفسه. هذه العودة إلى ديانة أمون التوفيقية، رافقها ترميم لمعظم المعابد التي كانت قد أُهملت خلال الحقبة العمارنية، نسبةً إلى مدينة تل العمارنة الحالية، التي كان الفرعون أخناتون اتخذها عاصمة حكمه.

بالنسبة إلى قدماء المصريين، كان موت الفرعون يُعتبر عودة إلى السديم الأول. وقد كانت لهم القدرة الخارقة على «التسامي» بالانتقال من وفاة الملك إلى تتويج خلفه، على نحوٍ يجعله رمزا لإعادة خلق العالم.

توجد داخل «قدس أقداس» بعض الأضرحة، مثل أضرحة رعمسيس الأول أو مرنبتاح أو رعمسيس الرابع، رسوم تصور مشاهد سرية للبحر الأول الذي شقه أمون-رع، ملك الآلهة، إلى شطرين. كل شطر من ذلك البحر ينفتح على صحراء الموتى، التي يرمز إليها الثعبان أبوفيس. تلك الصحراء الحارقة، حيث يسير أوزيريس، إله الموت، كانت أيضا في نظر المصريين القدامى الطريق الكونية لانبعاث الآلهة: حيث يتحول أوزيريس إلى حورس، الطفل الإلهي وابن الشمس. تلك الرسوم ذات الرمزية العالية، والتي تمثل لدى الفراعنة «العالم السفلي»، تقدم الدليل على أن إحدى الأساطير المؤسِّسة للديانة المصرية، والتي لم تكن معلومة إلا ممن يمتلكون المعارف السرية، قد تم الحفاظ عليها من قبل الكهان المصريين وتناقلوها أبا عن جد. بعد سبعة قرون من ذلك، وأثناء اجتياح مصر من قبل الآشوريين والبابليين، كان ذلك السر هو الأنموذج الذي اعتُمد في كتابة سفر الخروج، أهم الأسفار الخمسة التي تتكون منها التوراة.

على مثال أوزيريس، «إله الموت» الذي يقطع الصحراء عبر البحر الذي انشق، كي ينبعث في جسد ابنه حورس، يعبر العبرانيون البحر الأحمر كي يموتوا جميعا في صحراء سيناء، باستثناء أبنائهم وقائديْهم يوشع وكالب([1]). الوعد الإلهي الذي قُطع لهم، بمنحهم أرض كنعان المقدسة، يسري على أبنائهم ممن لم يعرفوا مصر…

بعد موت أخناتون، يدل التعاقب السريع للفراعنة في ذلك العصر على وجود تنافس محموم بين الساعين إلى العودة إلى ديانة أمون، خصوصا الفرعون آي، خليفة أخناتون ووالده المرجّح، والفرعون حورمحب وخليفته رعمسيس الأول. وكان كل تتويج فرعوني يتميز بالاحتفال ﺒ«العجل الذهبي»، وهو الاحتفال الذي كثيرا ما أسيء تأويله والذي كان يرتبط في الواقع بولادة حورس. وذلك ما سأخوض في البرهنة عليه في الجزء الثاني من كتاب «أسرار التوراة».

في انتظار ذلك، سنكتشف أن الآلهة المفاتيح في مصر القديمة، مثل أوزيريس وحورس وإيزيس وسيت وحتى أنوبيس، حاضرة بقوة في التوراة، تكشف عنها ببراعة الذاكرة المكتوبة لقدامى الحاخامات. والحقيقة، ومهما قال المعترضون على «اكتشافي»، فإن آلهة مصر فاعلةٌ في الكتاب المقدس تحت مُسمّى «العبرانيين»…

— 

  • «وظهر له ملاك الرب بلهيب نارٍ من وسط علّيقة، فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار، والعليقة لم تكن تحترق...» (سفر الخروج، الإصحاح الثالث، الآية 2). (المترجم)
  • [1] التوراة، سفر العدد، الإصحاح الرابع عشر، الآيات 30-38.

دار بترا للنشر والتوزيع


شارك اصدقاءك هذا المقال

أتسندون جائزة ابن (...)

أسندت مؤسسة “ابن رشد للفكر الحر”، التي تتخذ من برلين مقرا لها جائزتها لعام 2014 إلى السّيّد راشد الغنّوشيّ، زعيم حركة النّهضة، وجاء هذا القرار قبل بضعة أيّام من الانتخابات التّشريعيّة التّونسيّة. هل هذا من باب الصّدفة؟ وعلى أيّ أساس أسندت إليه الجائزة، وهو ، خلافا لابن رشد، من أهل النّقل لا من أهل العقل؟ لا شكّ أنّ السّيد راشد الغنّوشيّ قدّم مع حركته تنازلات في صياغة الدّستور التّونسيّ الجديد في ما (...)
الفيسبوك
تويتر