الخميس 31 تموز (يوليو) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > إصدارات وقراءات > أصل الإنسان وتاريخه

أصل الإنسان وتاريخه

الأحد 25 تموز (يوليو) 2010

بقلم:

نادر قريط  

شارك اصدقاءك هذا المقال





توصّلت دراسة جينيّة في جامعة ليستر البريطانية نشرتها مجلة PloS Biology، إلى أنّ فلاحين من الهلال الخصيب وفدوا إلى أوروبا بُعيد عصر الجليد قبل عشرة آلاف سنة، ونشروا نسلهم فيها. فقد أثبت تحليل الجينات لـ 2500 أوروبي، أنّ 80% من الكروموسوم y الذي ينتقل حصريا بين الذكور (من الأب للابن) يعود لآباء من الهلال الخصيب، بينما يعود الحامض النووي للميتوكوندريال الذي ينتقل من الأمّ للبنت، إلى أمّهات من جنوب أوروبا. وتأويل هذه النتائج يشير إلى أنّ فلاحي الشرق الأوسط، كانوا أكثر جذبا للنساء وأقدر على التناسل من الرجال الأصليين الذين كانوا يعتاشون وقتذاك على الصيد والتقاط الثمار.

ربما يمنحنا هذا الخبر شحنة من الانطباعات تناسب بيئتنا ومخيالنا الجمعي، وقد يمنح بعضنا شعورا بالعزّة، سيما وأنّ أجدادنا الفحول الميامين قد رفعوا رأسنا عاليا، وأتوا حرثهم أنّى شاؤوا وبذروا جيناتهم الوراثية في أوروبا؟ فالشعور بالتفوّق والفحولة جزء من تربية ذكورية مازالت تطبع بعض الثقافات، ويحملها العربيّ حتى لو كان خاوي المعدة ومن مهاجري قوراب الموت.

هذا الخبر أطربني كذلك (وشكرت الآلهة لأنّ نساء الهلال الخصيب لم يهاجرن أيضا ولم يستنكحهنّ كلّ من هبّ ودبّ وإلاّ كانت فضيحة بجلاجل) وعبثا بحثت في أرشيف مجلة بلوس بيولوجي لتوثيقه، وبعد تريّث فتحت كتابا كنت اشتريته قبل أعوام ولم يسعفني زمن النت في قراءته.. الكتاب صدر عام 2002 لكاتب أمريكي بارز إسمه ستفن اوسلن S.Oslon (1)وكتابه رحلة ممتعة ورشيقة في التاريخ الجينيّ للإنسان يبدؤها في أفريقيا ويختمها في أمريكا. وخلالها يُطلعنا على مستجدّات وخلاصات وآراء تفنّد النظريات العرقية التي سادت علم الوراثة حتى القرن العشرين.. وتوخّيا للفائدة رأيت تقديم بعض من أفكار هذا الكتاب والوقوف مليّا عند بعض النقاط المعرفية (التي تناسب غير ذوي الإختصاص) ويبدو لأوّل وهلة أنّنا فعلا أمام ثورة حقيقية تدشّن للإنسان حقبة جديدة تؤهّله أن يغدو متحكّما بمصيره.

يبدأ الكتاب فصوله بسكّان غابات بوتسوانا في جنوب إفريقيا الذين تعرّضوا في القرنين 16 و17 لزحف المستوطنين الهولنديين القادمين من رأس الرجاء الصالح.. ورغم مقاومتهم اليائسة فقد أصبح للأوروبيين اليد العليا. وهكذا بدأت رحلة انقراض سكّان تلك الغابات الذين عانوا من التمييز حتّى من الأفارقة الآخرين، وجدير بالذكر أنّ سكّان غابات بوتسوانا امتازوا ببشرة فاتحة بين الحمرة والصفرة وأجسام ضئيلة رشيقة وملامح ناعمة، ولا يُستبعد أن يكونوا من أجداد قبيلة "خوزا" التي ينتسب إليها نلسون منديلا ومبيكي. أمّا الكثير من الأوروبيين فقد درجوا على تصنيفهم مع البهائم! ففي وثيقة من نهاية القرن 19 صادرة في الجزء الألماني لجنوب أفريقيا، نعثر على قائمة بالحيوانات التي قتلها المستوطنون والشرطة في عام واحد، وتحت عنوان"حيوانات ثديية" نقرأ : قتل 400 أنثى من سكان الغابات!

إنّ نزع الصورة الإنسانية عن الآخر، طريق لاضطهاده واستباحته، ولا شكّ فقد ساهمت العلوم في ترسيخ ذلك الماضي الحزين، ولغاية القرن العشرين إعتقد كثير من علماء الإناسة (الانتروبولوجيا) أنّ الجماعات البشرية (أفارقة أسيويين أوروبيين) هي تطوّر لأصول (أنواع) مختلفة.

والحقيقة أنّ السمات الجسدية ثانوية جدّا، فلون البشرة مثلا يرتبط بخلايا صبغيةMelanozyt تمنح الجلد لونه، وهذه عند سكّان غابات بوتسوانا أقلّ صبغية من مثيلها عند أفارقة خط الاستواء، وهي ضرورية لعكس الأشعّة فوق البنفسجية المسبّبة لسرطان الجلد، وليست سمة تشريحية، فالخليّة البشرية واحدة، ولو ذهبنا في عمقها سنجد بداخلها 23 زوجا من المورّثات (الكروموسومات) تسبح في وعاء غذائيّ، وهي تتطابق تقريبا بين البشر (باستثناء الزوج رقم 23 الذي يكون عند الذكر xy وعند الأنثى xx) هذا الازدواج بين الكروموسومات يعكس الثنائية الغامضة للجنس، فأحد زوجي الكروموسوم هو نسخة عن نطفة الأب والآخر نسخة عن بويضة الأمّ، وهنالك رابط جنسيّ بينهما، فعندما ينضج الكائن الحيّ ويبدأ بإنتاج البويضات أو المنويات فإنّ أزواج الكروموسومات تتشابك (وتتعانق) وتتبادل قطعا من شريط حامضها النوويّ، في عملية تسمّى: إعادة التركيب، الأمر الذي يُنتج كروموسومات مهجّنة Hybrid تنتقل إلى البويضة أو النطفة.. وهنا يستفيض الكاتب في شرح ماهية الحمض النووي DNA:شريط الحمض النووي هو خلق مُذهل، يتكون من سلسلة جزيئات يبلغ طولها في الخلية الواحدة 1.8 متر، ولو كبّرناها لتصبح بسمك قلم رصاص فإنّ طولها سيبلغ المسافة بين واشنطن وسان فرانسيسكو. وتتألّف هذه السلسلة من أربع لبنات تسمى نوكليوتيدات (أشبه بحروف أبجدية) هي آدنين A، ثيمين T، سيتوزين C، غوانين G. تتموضع على شريط الحمض النووي وكأنها جملة طويلة من ثلاثة مليارات حرف أو نوكليوتيد (ATCG) وتعادل تقريبا محتوى 6000 كتاب متوسّط الحجم. هذه الجملة تتضمّن رسائل وحكمة آلاف السنين، وكلّ إنسان ورثها عن أبويه وهؤلاء عن آبائهم وأمّهاتهم. وأوائل البشر عن غيرهم من الكائنات، وهكذا وصولا للكائن الأوّل (وحيد الخليّة) وكذلك فإنّ شريط الحمض النووي للإنسان يتقارب مع مثيله عند الشمبانزي (يملك 24 زوجا من الكرموسومات، ويختلف معنا في الكرموسوم التاسع وكذلك في أطراف (نهايات) سلسلة الحمض النووي للكرموسومات الأخرى، وهذه الفروقات الضئيلة كافية لمنع التزاوج بيننا وبينهم، وفيها أدلّة على افتراقنا عنهم قبل ستّة ملايين سنة). أمّا البشر فحدود الاختلاف بين شخصين ضئيل جدّا (حوالي نوكليوتيد واحد لكلّ ألف) كأن يظهر A مكان G أو ينقص أو يزيد عند أحدهما، وفي هذه الاختلافات جذور التمايز بين الأفراد والمجموعات، أي أنّنا نملك نفس الجملة الجينية، مع تغيّرات طفيفة تقرّر فرادة كلّ منّا وهي الأساس البيولوجيّ الذي تقوم عليه حياتنا. وهذا موضوع آخر لا يتناوله الكتاب، بقدر تركيزه على كشف ماضي الإنسان من خلال معرفة تاريخ حامضه النووي : 
تاريخ الإنسان الحديث:

بين نهر جوبا في الصومال والهضبة الكينية وبحيرة فكتوريا إلى جبال القمر وحوض نهر الكونغو وعلى شريط عرضه 800كم شمال وجنوب خط الاستواء، انفصلت قبل ستّة ملايين سنة مجموعة من القردة الأفريقية إلى نوعين أحدهما أوصل للإنسان والآخر للشمبانزي.. وقبل أربعة ملايين سنة بدأ الأول بالانتصاب على قدميه، وتحرير يديه واستخدامهما في صناعة الأدوات، ورشق الحيوانات بالحجارة (أو التأمّل وحفر أنفه بالسبّابة) هذا الإنسان البدائيّ يُسمّى : اوسترالوبيثيكوس.

 وقبل مليوني عام ظهر نوع آخر بحجم أكبر وأكثر مهارة يُسمّى : هومو .. وقبل مئة إلى مئتي ألف سنة ظهر نوع مُحسّن من الهومو بجسم أرشق ومرونة أعلى .. وإليه ينتسب الإنسان الحديث. إلا أنّ هذه الصورة للتطوّر التي يقع الإنسان الحديث على هرمها هي صورة ناقصة، فالتطوّر البشريّ ليس خطّا مستقيما من الأدنى للأعلى بل متاهة وأزقّة مسدودة وتحوّلات مفاجئة، وكثير ممّا ندعوه "أدنى" هو محاولة فاشلة للتطوّر بلغت طريقها المسدود. والرأي السائد بين العلماء أنّ ظهور نوع جديد كان لا بدّ أن يحدث وسط المحيط الحيويّ الذي يعيش فيه النوع القديم. وهنا يبرز سؤال جوهريّ : لماذا لم يؤدّ التهجين إلى ذوبان النوع الجديد وفقدانه ميزاته؟! هذه المعضلة قادت البيولوجيين إلى فهم آليات ما يُسمّى : العزلة ذات القدرة على تكرار الإنتاج، فهناك إثباتات عديدة على وجود هذه العزلة، منها يعتمد المظهر الخارجي، خصوصا في الكائنات العليا (كالإنسان والقرد) التي تستخدم إشارات حسّية للتعرف على الشريك الجنسيّ وجذبه من النظرة الأولى، وكذلك فإنّ آليات العزل تبدو جليّة في عالم الجينات، فعندما تحدث مضاجعة بين نوعين مختلفين، فإنّ السائل الكيميائيّ المحيط بالبويضة يتعرف على المنويات الغريبة ويمنعها من اختراق جدار الخلية، وحتى لو حدث خطأ ما فإنّ الكرموسومات الغريبة لن تتواءم مع ما في البويضة، وإذا ما حصل بعض التوافق فالجنين سيكون بغلا عقيما عاجزا عن التكاثر مستقبلا (كما في تزاوج الحصان والحمار أو الأسد والنمر).

والحقيقة أنّ للطبيعة آليات عديدة لتحقيق العزلة المنتجة، فهي تؤكّد أنّ نشوء نوع جديد ليس أمرا خارقا بل على العكس، فالطبيعة منحت عالم الأحياء القدرة على تشكيل أنواع جديدة وكأنّها تقوم بتجارب على الحياة، وعندما ينتج نوع ملائم لمحيطه فإنّه يتوسّع ويتكاثر، وعندما يُظهر عيوبا فإنّه غالبا ما يحطّ في سلّة مهملات التاريخ. 
إنّ أقدم جمجمة للإنسان الحديث، عثر عليها ريتشارد ليكي على ضفاف الأومو في أثيوبيا عام 1967 وقُدّر عمرها بمائة وثلاثين ألف سنة. لكنّ بقايا هذه المتحجّرات سمحت بتأويلات أخرى فبعض انتربولوجيي ما قبل التاريخ مقتنعون بأنّ التطوّر حصل على درجات فتراهم يشككون بانقسام الإنسان البدائي إلى أنواع مختلفة، ويعتقدون أنّ نوع الهومو (قبل مليوني سنة) استمرّ وانتشر في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأدّى تكاثره داخل نوعه إلى ظهور الإنسان الحديث.. أي أنّ الفروقات بين المجموعات البشرية (الأعراق) سبقت مرحلة التطوّر الجسماني للإنسان الحديث.. فالإفريقي بنظرهم ينتمي إلى هوموسابيا إفريقي والأسيوي ينتمي جزئيا إلى هومو ايريكوس والأوروبي جزئيا إلى نياندرتال.. لكنّ هذه الرؤية ظلّت مثار شكّ، إلى أن تمكّن عام 1987عالم بيولوجيا الجزيئات بركيلي Berkeley من جامعة كاليفورنيا، من تحليل الحمض النووي لكلّ المجموعات (الأعراق) البشرية على الأرض، وكانت المفاجأة مذهلة؟
المفاجأة الكبرى:

علماء الجينات: بيركيلي وولسن (كاليفورنيا) ربكا كان (جامعة هاواي) مارك ستونكينغ (معهد ماكس بلانك لايبزيغ) لم يدرسوا الحمض النووي DNA للكروموسومات بل ركّزوا على كيان صغير يُسمّى "ميتوكوندريوم" وهو موجود في الخلية بأعداد كبيرة (بالمئات) ولهذا الميتوكوندريوم وظيفة مهمّة داخل الخلية، إذ يقوم بتبسيط المركّبات المعقّدة وتحويلها إلى جزيئات غنيّة بالطاقة تحتاجها الخليّة في نشاطها الحيويّ.. وعلى الأرجح فإنّه إحدى سلالات البكتيريا التي عاشت قبل مليار سنة ثم استوطنت وحيد الخلية ومذّاك يعيش داخل الخلية ويقوم لقاء استضافتها له بتزويدها بالطاقة. ولأنّه من أصول أخرى توجّب أن يحتفظ بحمض نوويّ بسيط خاص به وهو حلقيّ الشكل ويتألّف من 1650 نوكليوتيد فقط، وكلّ إنسان يحوي بداخله ملايين من هذه الميتوكوندريات التي يتطابق حمضها النووي مع بعض الاستثناءات، والفرق بين ما أحمله وما تحمله (وهنا الإثارة) أنّنا نأخذه عن الأمّ، لأنّ المنويات الذكرية تقتصر وظيفتها على إفراغ شحنتها من الكروموسومات في البويضة وما تبقّى في النطفة (بضمنها الميتوكوندريات) يُطرح خارجا.. لذلك فإنّ بويضات الأمّ هي التي تنقلها للأجيال القادمة (ذكورا أو إناثا) وعليه لا بدّ أن يرجع كلّ الحمض النووي للميتوكوندريال إلى امرأة واحدة؟! هذه النتيجة العلمية ليست حقيقة فقط، بل يجب أن تكون حقيقة!؟

وللاختصار سأرمز إلى الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريوم الذي تنقله الأمّ (DNA of M) والحمض النووي الخاص بالكروموسوم الذكري y (DNA of Ky)إنّ ثلاثة مليارات امرأة ورثن DNA of M من أمّهاتهن والأمّهات من الجدّات وهكذا، أي أنّ الثلاثة مليارات أخذنه من خطوط لمجموعة سابقة (أقلّ عدديا من المجموعة الحالية) وخطوط الميتوكوندريال (حاليا بالمليارات) تتناقص رجوعا عبر الأجيال، ورياضيا سوف تعود إلى مجموعة بسيطة وبالتالي إلى أختين وأخيرا إلى أمّ واحدة أورثت كلّ خطوط DNA of M ، وبالطبع فإنّ هذه الأم عاشت وسط بشر آخرين لكنّها الوحيدة التي استمرّ خطها الجيني عبر الأجيال، هذه العملية التي تتعقّب رجعيا شرائط الحمض النووي لكلّ البشر تسمّى Koaleszenz (تعني ذوبان عناصر غير متجانسة)وهي لا تنطبق فقط على DNA of M بل على DNA of Ky الذي يورثه الأب للأولاد (عندما يموت الذكر بدون إنجاب يموت معه الكروموسوم y) وهكذا فإن إجراء عملية "كوالِسَنس" تؤدي إلى أن كلّ DNA of Kyيعود لأب واحد عاش في زمن ما، ليس بالضرورة مع الأمّ الأولى، لأنّ هذين الحمضين النوويين وصلانا عن طرق مختلفة. (بعض الدراسات أكدت أنّ "حواء" التي أورثتنا كلّ DNA of M عاشت قبل مئة وخمسين ألف سنة وآدم الذي أورثنا DNA of Ky عاش في زمن متأخّر) وبما أنّ حساب الكروموسومات الأخرى لستة مليارات إنسان عملية بالغة التعقيد بسبب تزاوجها في كلّ جيل وخلطها عبر مساهمة الأب والأمّ، لكن لو أخذنا مثلا اعتباطيا من طرف الكروموسوم رقم 6 نجده يعود لشخص واحد عاش في الماضي (ليس بالضرورة آدم y) وحسب التقديرات فإنّ عدد أجيال الإنسان الحديث تبلغ حوالي 6500 جيل (ومجموع البشر الذين ولدوا مذّاك حوالي 80 مليار) وكلّ مخزوننا من الحمض النووي يعود لحوالي 86000 شخص عاشوا في المائة وخمسين ألف سنة أخيرة بينهم آدم DNA of Ky وحواء DNA of Mوكما سلف ذكره فإنّ شريط DNA of M يختلف من إنسان لآخر، ومن جيل لجيل (بسبب التهجين المستمرّ) وعدد هذه التغيّرات على الشريط تدلّ على عدد الأجيال التي تعاقبت منذ الأمّ الأولى.. عندما نشر بيركيلي نتائج بحثه (وتحليل DNA of M لكل أعراق البشر) تعرّض لانتقادات كثير من العلماء، ومنذ التسعينات ومع تقدّم البحث في تحليل الحمض النووي فإنّ النتائج تدعم ما وصل إليه بيركلي.. هذا أكّدته أيضا لُقى المتحجّرات القديمة في أفريقيا وهذا ما وصلت إليه مرتا لار (جامعة كمبردج) التي تقول : إنّ المعلومات الجينية والكرونولوجية تشير إلى أنّ أفريقيا هي أصل الإنسان الحديث.

 لقد مرّت آلاف الأجيال منذ عاش أجدادنا في شرق أفريقيا وهذا في عمر التطوّر زمن قصير. لأنّ مجموعة من الشمبانزي التي تعيش على جبل واحد في أفريقيا، لديها تغيّرات في DNA of M ضعف ما لدى الستة مليارات إنسان، لأنّ الشمبانزي أقدم من الإنسان وعدد أجياله أضعاف أجيالنا.

وكلّ البشر الحاليين يبتعدون نفس المسافة الزمنية عن الإنسان المبكر الذي عاش في شرق إفريقيا ..بمن في ذلك "سكان غابات بوتسوانا"، فالاختلافات بين البشر هي اختلافات في التاريخ الجيني الذي يحمل مؤشّرات ذلك الماضي. لهذا اكتسب "سكان الغابات" أهمية خاصة، فالإثباتات الجينية تقود إلى أنّ أقدم هجرات الإنسان الحديث، كانت إلى جنوب إفريقيا حيث أجداد "سكان الغابات" هجرة حدثت في وقت كانت فيه آسيا وأوروبا لا تزالان مسكونتين بالإنسان البدائي، ورغم عزلتهم ووصولهم لطريق مسدود ورغم اختلاطهم المتأخّر، فإنّ خط تطورهم التاريخيّ هو الأكثر استقامة .. والخلاصة : إنّ الإنسان منذ مئة وخمسين ألف سنة لم يتغيّر تقريبا، هذا ما تؤكّده دراسة الحمض النووي للبشر، وحقّا وكما تقول الفرنسية :Tous Parents Tous Differents كلّنا أقارب كلّنا مختلفون.

ولو أنّ البشرية حافظت على الزواج المختلط Panimixi أقصد الزواج خارج المجموعة العرقية لاختفت الفروقات الظاهرية بين الأمم ولاختفى مفهوم العرقية، فالبشر يلتقون عند خطوط الأصل المشترك..لكنّ السؤال : إذا كان موروثنا من الحمض النووي يعود لأجداد مشتركين فلماذا يختلف شريط الحمض النووي ولا يتطابق لنبدو كتوائم متشابهة؟ هذا السؤال هو نواة بيولوجيا التطوّر.

كيف نشأت هذه الأعداد الغفيرة للحياة من كائن واحد تكاثر بمضاعفة شريط حمضه النووي؟! فعندما تنقسم الخلية تستنسخ الجملة الكروموسومية وتمنحها للخلية الشقيقة.. إن ماكينة الجزئيات هذه التي تعيد إنتاج الحمض النووي ذي مليارات النوكليوتيدات تعمل بدون خطأ؟ لا أبدا ليس بهذه الدقة وإلا كانت الأرض ماتزال مسكونة بالكائن الأوّل.

 في الواقع إنّ الانقسام يُحدث أخطاء حيث تتبادل بعض النوكليوتيدات مواقعها وهذا يُحدث تغيّرا Mutation ما. صحيح أنّ الخلية تملك آلية لتصحيح الخطأ إلا أنّ هذه الآلية ليست منزّهة عن الخطأ، فيكون التصحيح تغيّرا جديدا.

لنفرض مثلا أن إحدى الأختين (من الأمّ الأولى) قد تعرّضت لتغيّر في DNA of M ثم هاجرت إلى مكان آخر؟ لذا فإنّ نسلها سيحفظ ذلك التغيّر حتى اليوم، وكلّ شريط مُتغيّر للـ DNA of M سيشكّل صنفا Haplotype ومجموعة بشرية تنتمي لهذا الصنف الناجم عن ذلك التغيّر الجيني.. وبموجب هذه التغيّرات استطاع العلماء تحديد "سكان غابات بوتسوانا" كطلائع للإنسان الحديث لأنّهم يملكون أقدم التغيّرات في DNA of M
وبما أنّ الخلية البشرية تملك كثيرا من الحمض النووي في كروموسوماتها (أكثر بأربعين ألف مرّة من DNA of M) فإنّ كلّ عملية تزاوج تخلق تغيّرات في كروموسوم الوليد، وتجعل منه كائنا فريدا لا مثيل له، وبالعادة يختلف شريط الحمض النووي للطفل عما لدى والديه بمائة نوكليوتيد، وعندما يتمّ بلوغه يعيد إنتاج تلك التغيّرات التي ورثها في بويضته أو نطفته ويضيف إليها تغيّرات جديدة ستمنح النسل القادم فرادته في هذا العالم .. بمعنى آخر فإنّ كلّ جيل يترك بصمته على محتوى الحمض النووي، والنتيجة هي مركّب معقّد من الجينولوجيا، وفروع متشعّبة لشجرة الأصول.

ورغم تعقيدات هذه الشجرة والتغيّرات وآلاف الأجيال وملايين البشر التي تهجّن بعضها، فإن العملية تحمل نظاما.. إنها أشبه بقطرات المطر التي تهطل على بحيرة وكل قطرة تُحدث موجة دائرية منتشرة وتصطدم بموجات أخرى، إلا أنّ كومبيوترا عالي المستوى، قادر على تحليل تلك المعلومات ورسم نموذج موجيّ لقطرات المطر المتساقطة.. هذا تماما ما يفعله العلماء لرسم الخطّ التطوّري للبشر.. فعندما عبر آسيويون طريق بيرينغ (بين سيبريا والألسكا) باتجاه أمريكا قبل عشرة آلاف سنة حملوا معهم تغيّرات جينية فريدة ما زالت محفوظة في نسلهم حتى اليوم، فهذه التغيّرات تحكي لنا (طبعا للعلماء وليس لي) أين عاش الأجداد ومع من تناسلوا..لأنّ تلك التغيّرات حُفرت في التاريخ الجيني.
ختاما:

نحن البشر عبارة عن تفرّعات وأغصان لشجرة واحدة، كلّ منّا يحمل خريطة جينية ورثها عن والديه البيولوجيين وهؤلاء عن آبائهم وأمّهاتهم (عددهم أربعة) وفي الجيل الرابع يصبح عدد الأجداد ثمانية، وفي الجيل العاشر 1024 وبعد عشرين جيل يصبحون حوالي مليون جدّ (علينا تقليل عددهم بسبب الزواج بين أبناء العمومة والخؤولة التي تعطي أجدادا مشتركين) لكنّ أرقام الأجداد تصبح مستحيلة وتنهار في نقطة ما عندما يتجاوز الرقم عدد السكان المفترضين في ذلك الزمن، وبكلّ الأحوال فإنّ علم الإحصاء الرياضي يعتبر جميع البالغين الذين تركوا نسلا وعاشوا قبل عام 800 م أجدادنا (بصورة ونسبة ما) وخزينهم من الحمض النووي قد وصلنا بمن في ذلك (عمرو بن العاص ؟!) ويوليوس قيصر ونفرتيتي.

في الحقيقة ركّزت في هذا العرض على الفصلين الأولين من الكتاب ولا شكّ هنالك فصول أخرى لا تقل معرفية ومتعة، حول هاواي واليهود والأفروـ أمريكيين وآسيا وأصول العائلات اللغوية. .إلخ. وما يسترعي الانتباه هو غياب الآلهة عن التاريخ الجيني، فإرادة الحياة كانت ومازالت تخوض معركة البقاء على جبهتي الغذاء والجنس. . أجل إنهما الإله الحقيقي للتاريخ.

هامش:
(1) عنوان الكتاب:Mapping Human History Discovering the Past Through Our Genes: Steve Olson 2002
عنوان الترجمة الألمانية:Herkunft und Geschichte des Menschen 2003


شارك اصدقاءك هذا المقال

هل نجني ثمار فشل (...)

أحكمت الأنظمة العربيّة غلق القماقم العتيقة، وبمجرّد تزعزع بعضها أو تلاشيها، غير مأسوف عليها، انطلقت عفاريت الهويّة والطّائفيّة والشّريعة والعقيدة وفتحت أمامنا مسرحا قياميّا شبيها برقصة أشباح الماضي مع الأحياء. كلّ هذا الرّعب الذي نراه يتمّ باسم الإسلام، رغم كلّ الحسابات والرّهانات الجيوستراتيجية، ورغم الدّور التّخريبيّ الذي لعبته بعض الدّول، ورغم تعدّد أطراف اللّعبة في كلّ بلد فتح فيه جحيم هذا الحفل (...)
الفيسبوك
تويتر