الجمعة 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > أبحاث > عنف الرجل ضد المرأة

عنف الرجل ضد المرأة

الثلاثاء 6 نيسان (أبريل) 2010

شارك اصدقاءك هذا المقال




تعتبر ظاهرة العنف ضد المرأة من أكثر الظواهر الاجتماعية انتشاراً اليوم والتي تتعرض لها المرأة داخل الأسرة أو خارجها (في المجتمع). فهي ظاهرة عالمية تنتشر في معظم دول العالم الأجنبية والعربية، في الدول النامية والمتطورة،وتسود بين المتعلمين وغير المتعلمين ولدى كافة فئات المجتمعات. وما يلفت نظرنا إلى ظاهرة العنف ضد المرأة ،هو المشاهد المرئية في الحياة اليومية عبر مختلف وسائل الاعلام المرئية والمسموعة و المقروءة ، و عبر حياتنا و علاقاتنا ومن خلال الخبرات الحياتية المتنوعة. فالمرأة تتعرض في كثير من الأحيان في المجتمعات العربية و الأجنبية للضرب والقتل والاغتصاب وحتى الحرق. ففي الولايات المتحدة تتعرض المرأة للاغتصاب كل 6 دقائق، وفي فرنسا تبين أن 95% من ضحايا العنف هنَّ من النساء، وفي لندن يتعرض 5% من النساء للتحرش الجنسي في مكان العمل، وفي بعض البلدان كمصر والسودان تنتشر ظاهرة الختان للأنثى بشكل كبير، وفي الهند يتم إحراق خمسة نساء كل يوم بسبب المشاكل المتعلقة بالمهر، وفي كل عام يتم تنظيم مليون طفلة من سن (5-15) سنة في سوق الجنس العالمي.

أولاً: الجذور التاريخية للعنف:

لو ألقينا نظرة على ماضي العنف وخاصة في العصور القديمة لعرفنا كيف كانت تتم معاملة المرأة أو الزوجة تحديداً، فمثلاً كانت كل زوجة تهين زوجها ولو إهانة لفظية تُجبر على القيام بنقش اسمها بأظافرها على حجر صلب ثم تُضرب بهذا الحجر، والقانون الروماني كان يسمح للزوج أن يقتل زوجته إذا شربت الخمر أو خانته أو إذا سلكت أي سلوك يثير حولها الشبهات. فالمرأة خُلقت حسب النظرة القديمة من أجل الزوج كي تمتعه وترعاه. وفي الوقت الحاضر تحسنت أوضاع المرأة وتغيرت النظرة إليها كثيراً عن سابقتها، وبالرغم من ذلك ما زالت تلاحظ آثار العنف بشكل جلي أمامنا، مما سبق تظهر أهمية الخوض في موضوع العنف ضد المرأة للتعرف على أسبابه وبواعثه و بالتالي يمكن التساؤل ما هو العنف؟ وما هي الأسباب التي تكرس هذه الظاهرة والتي تقف خلفها وتغذيها باستمرار؟

ثانياً: تعريف العنف:


عرفت منظمة الأمم المتحدة العنف ضد المرأة على أنه «أي عمل من أعمال العنف يؤدي أو يحتمل أن يؤدي إلى التسبب بالأذى الجسدي، أو الجنسي أو النفسي، أو يسبب المعاناة للمرأة بما في ذلك التهديد بارتكاب هذه الأعمال أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء كان ذلك في الحياة العامة أو الخاصة».

أي أن العنف ضد المرأة يقوم على أساليب ووسائل متعددة ومختلفة. فالمرأة تتعرض لأذى جسدي ونفسي : كالشتم والسب واللطم والضرب (بالعصا وخرطوم الماء وباليد وبالحذاء ..) وقد يتسبب الضرب بالتشويه والإعاقة، ومن أساليب العنف الركل والدفع (و بتأثيراته الخطيرة عل المرأة و الجنين) إضافة إلى التقييد والقتل بأنواعه (بالسلاح، الخنق، التسميم، الحرق،...) والقسر والحرمان والضغط والإجبار والإهانة والقلق والخداع ودفعها للتنازل عن حقوقها أو ممتلكاتها، وقد يدفعها الرجل لسلوك طريق منحرف كالاتجار بالمخدرات أو ممارسة الدعارة، وقد تتعرض للاعتداء الجنسي، ويتم إجبارها على ممارسة الجنس الذي لا ترغب به أو على الإجهاض أو على الحمل... الخ. فغالباً ما يقوم الرجل بإتباع هذه الأساليب داخل الأسرة أو خارجها خاصة مع زوجته. فهناك دائماً ظروف وأسباب تشجعه وتدفعه للقيام بسلوك العنف. فما هي تلك الأسباب والظروف؟

ثالثاً:أسباب و دوافع العنف ضد المرأة:

1 - العادات والتقاليد: تلعب العادات والتقاليد دوراً بالغاً بالتأثير في سلوك العنف ضد المرأة. فكثير من المجتمعات مازالت مجتمعات ذكورية حيث يفرض فيها الذكر سلطته على الأنثى حتى لو كانت أرفع منه شأناً وقدراً، ويعتبر الذكر عنفه ضد الأنثى إحدى امتيازاته كذكر، فهو المهيمن دائماً وسلوكه صحيح كما يراه هو ليس فيه خطأ حتى لو ارتكب الخطأ، فلا أحد يتجرأ على التفوه لأنه رب الأسرة وهو الآمر الناهي في كل شيء و تجسدت هذه النظرة في روايات الكاتب المصري نجيب محفوظ ( رواية بين القصرين و غيرها التي تعبر فيها لاشخصية أحمد عبد الجواد هذة النظرة للمرأة ، فالرجل يفصل في جميع الأمور بما لا يجوز وما لا يجوز، وطلباته دائماً أوامر، هكذا اعتاد الرجل العربي على النشأة. فهو دائماً مقدام وشجاع وذكي، والأهم من ذلك كله أنه يفعل ما يحلو له وما يريده خلافاً للأنثى. فهو رجل لا يُعيبه شيئاً، أما الأنثى فهي دائماً على خطأ يجب عليها أن تتبع رأي والدها أو زوجها أو أخوتها، فهي غير قادرة على التمييز بين الصح والخطأ لأنها عاطفية تسيطر عليها عواطفها ورغباتها، وضعيفة لا يركن إلى رأيها، وهي إتكالية غير مسؤولة لا عقلانية، وهكذا ينظر المجتمع للمرأة رغم كل النظريات التي تثبت أن المرأة تتساوى بالرجل وقد تتفوق عليه. فالنظرة القديمة والمتخلفة التي يرى البعض المرأة من خلالها ما زالت موجودة تدعمها باستمرار بعض العادات والتقاليد. فالفتاة تخرج من سيطرة أسرتها لتقع تحت سيطرة زوجها، فهي لا تستطيع أن ترفض شيئاً ولو رفضت فالطلاق مصيرها، وهذا ما تخشاه دائماً، لأن الطلاق يدمرها، لذلك نراها ترضخ للزوج ولغيره ويدفعها واقعها للتنازل عن الكثير والكثير حتى كرامتها، فهي معرضة دائماً لتذوق مرارة الحياة الزوجية مع شريكها ومرارة الطلاق ونظرة المجتمع للمرأة المطلقة، عندها تعيش واقعاً أكثر مرارةً وتعاسةً خاصة اذا كانت غير متعلمة وغير مثقفة.

إن العنف في الأسرة العربية له جذور راسخة منذ زمن طويل وحتى وقتنا الحاضر، وهذه الجذور ما زالت تدعمها بعض الأقاويل أو الأمثال الشائعة التي تتداولها ألسنة العامة وكلها تبين النظرة الدونية للمرأة أو الفتاة، وتقدم نصائح للأهل والرجال الراغبين بالزواج( فالفتاة لا يجوز تدليلها خلافاً للشاب)، والفتيات يشكلن عبء ثقيل على عاتق أسرهن وخير الأمور بالنسبة لهن هو زواجهن، وغالباً ما يكون بوقت مبكر كثيراً، والرجل عليه أن يمارس العنف مع زوجته منذ الليلة الأولى كي لا تعصى أمره. كل هذه الأقاويل تشجع وتدفع الرجل لأخذها بعين الاعتبار. فهي متوارثة منذ زمن بعيد، ومن هذه الأمثال باللهجة العاميةيذكر منها ما يلي:

- فرجيها العين الحمرة من أول يوم.

- المرة بدها نفض كل يوم مثل السجاد.

- دلل ابنك بحبك ودلل بنتك بتخزيك.

- هم البنات للممات لو عرايس ومجوزات.

- سترة البنت جازتها.

- البنات همن للممات ولو كانوا ستات فوق المرتبات.

- شيل أختي عني وخود غلتها مني.

- ألف ولد مجنون ولا بنت خاتون.

- معرفة الرجال تجارة والنساء خسارة.

- غنج الحية ولا غنج البنية.

- مربى البنات مربى خسارة،..الخ).

كل هذه الأمثال تترك آثاراً سلبية على سلوك الرجل تجاه المرأة أو تجاه زوجته.

2- انخفاض المستوى التعليمي والثقافي لممارسي العنف:

يلاحظ عادة من خلال الحوادث اليومية أن معظم هذه الحوادث المتعلقة بالعنف ضد المرأة ترتبط غالباً بأشخاص ينتمون لمستوى علمي وثقافي منخفض ، فالأسر الأمية التي تتمتع بقدر بسيط من العلم غالباً ما تكون أسر مفككة وضعيفة يسودها جو من عدم الاستقرار كما يسودها العنف والتمييز بين الجنسين وعدم المساواة بينهما في كثير من الأمور كتلبية الاحتياجات المختلفة من تعليم ولباس وما إلى ذلك من أشياء مختلفة، فكل شيء هو من نصيب الذكر أولاً.

3- أساليب التنشئة الخاطئة التي تقوم على التمييز بين الذكر والأنثى منذ الولادة


فمنذ قدوم المولود الذكر يرحب به كثيراً الى درجة المبالغة بينما يرتبط قدوم المولود الأنثى بالهم و الغم و الحزن عند قسم من الأسر العربية التي لا تدرك الواقع بشكله الحقيقي ،فالطفلة الصغيرة لا تلقى العناية والاهتمام الزائد كالطفل أما في حال كانت التنشئة صحيحة وسليمة، فالتربية تقوم على المساواة بين الذكر والأنثى دون أية امتيازات، فالفتاة يجب أن تحظى بما يحظى به الشاب من حقوق وامتيازات ضمن الأسرة التي يفترض أن تقوم العلاقات بينها و بغض النظر عن الجنس ذكر أم أنثى يجب أن تقوم على الاحترام وتبادل الآراء بحوار علمي تسوده الحرية تشترك فيه الفتاة وتبدي رأيها بكل وضوح وصراحة تامة. لأن الطفل عندما يصبح رجلاً ويُكوِّن أسرة مستقبلاً يبقى متأثراً بأساليب التنشئة التي تلقاها في سنواته الأولى و من الطبيعي أن تتأثر بها مستقبلاً حياته الزوجية سواء سواء كانت أساليب التنشئة سلبية أم ايجابية. ومن هنا أكدت الدراسات العلمية أن معظم الرجال أو الأزواج الذين يتعاملون بأساليب العنف مع زوجاتهم ويسلكون سلوك الضرب والسب والشتم والإهانة هم في الأصل عاشوا في جو أسري يسوده العنف، لذلك يُحذّر علماء التربية و علماء النفس و علماء الاجتماع ، الزوجين بعدم إظهار أية مشاكل أو خلافات أمام أطفالهم كي لا تشكل خطراً على أبنائهم مستقبلاً، من هنا يلاحظ أن الأُسر المفككة تُنشئ أُسر أكثر تفككاً تهدد المجتمع بالفساد في نهاية المطافبسبب فساد الأسرة.

4 – النظرة الدينية والتفسير الخاطئ بوجوب استخدام الضرب بحق الزوجة في بعض الأحيان:


 هذا ما أوضحه بعض الفقهاء في الدين واللاتي تخافون نشوزهن فاهجروهن في المضاجع واضربهون... كما يرى البعض أيضاً بأنَّ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وما أنفقوا من أموالهم... وللذكر مثل حظ الأنثيين... وشهادة رجل مساوية لشهادة امرأتين اثنتين....

مما سبق يتبين عدم مساواة المرأة بالرجل لا في الدين ولا في القانون وهذا ما جعلها تعيش في مكانة دونية اعتادت عليها باستمرار حتى أصبحت تعشق ضرب الرجل، فرجولة الرجل مرهونة بضربه لزوجته، هذا ما تراه بعض النساء أو الفتيات اللواتي نشئن في بيئة تقدس مثل هذه العادات، وقد صرَّحت إحدى الفتيات الجامعيات بأنها ترغب بالزواج من شاب يقوم بضربها يومياً، فهذه هي الرغبة الأولى التي تفضلها في شريك حياتهامع الأسف.

5 - تعتبر مسألة العنف العائلي أو الأسري من أكثر المسائل الاجتماعية خصوصية: فالبحث فيها غاية في الحساسية وفي غاية الصعوبة، فمن النادر أن تصل مثل هذه القضايا إلى القانون إلا في حالات خطيرة جداً (في حال تم الإبلاغ عنها).

6 - وسائل الإعلام تكرس العنف:


 تلعب وسائل الإعلام دوراً بالغاً في تكريس ظاهرة العنف فهي غالباً ما تُظهر المرأة ضعيفة تُستخدم كسلع رخيصة تعرضها بصور سلبية أي في صور اغتصاب و رق و إباحية جنسية، كما تصور لنا الفروقات بين الجنسين وكأن كل شخص خلق ليؤدي دور كان قد خُصص له قبل أن يولد، فالزوجة دائماً تطبخ وتغسل وتعتني بالأطفال، و تظهر الرجل بأنه لا علاقة له بالأدوار المنزلية كتعليم الأبناء و تربيتهم وغير ذلك، و كأن دوره محصور فقط بالعمل خارج المنزل ، والطفلة الصغيرة تعلمها والدتها منذ الصغر كيف ترعى شؤون المنزل بهدف أن تجعل منها ربة منزل تجيد كل أعمال النساء وتتم تربية الطفل ليؤدي دور الرجل الحقيقي الذي يتمتع ببعض الصفات أو المكتسبات كأن يكون قاسياً لا يبكي ولا يُظهر أية مشاعر رقيقة ويغضب ويثور. من هنا نلاحظ الدور التي تقوم به وسائل الإعلام المختلفة بحيث تبين لنا أن العنف صفة من طبيعة الرجل ينشأ عليها، و تظهر أن الليونة والرقة والسكوت والطاعة وتنفيذ الأوامر هي من صفات المرأة الحسنة الصالحة.

7 - عدم الاتفاق بين الزوجين:


 تعود مسألة عدم الاتفاق بين الزوجين لعدة أسباب منها عدم اختيار الشريك اختياراً مناسباً لعدة أسباب قد تتعلق بتدخل الأهل تدخلاً سلبياً في عملية الاختيار و فرض سلطتهم ، فالأهل يدفعون أبنائهم للزواج من الشخص المناسب من وجهة نظرهم ،وقد يحدث الخلاف بين الزوجين بسبب سوء الاختيار القائم على المصلحة أو المنفعة التي يهدف الزوج من ورائها لتحقيق ما يخطط له من وراء هذا الزواج دون تقديره لخطورة هذا الزواج وتبدأ رحلة العنف مع زوجته بعد انقضاء مصلحته أو بعد رفض زوجته على الخضوع له، وعدم موافقتها على آرائه وومخططاته و مآربه الشخصية.

8- في كثير من الأحيان يدفع الرجل زوجته لسلوك طريق منحرف: مخالف للقانون والأخلاق ولأعراف المجتمع و تقاليده، وغالباً ما يجبرها بكل وسائل القوة على ممارسة الدعارة، وهذا ما أوضحته دراسة (جرائم النساء التي تعود لهويدا كلثوم ،التي توصلت إلى أن 40% من الزوجات اللواتي تم القبض عليهنَّ مارسن الدعارة بتحريض من الزوج. إضافة إلى ذلك هناك بعض الأسباب الأخرى المسببة للعنف كالأسباب المرضية سواء كانت نفسية أو جسدية وأسباب تتعلق بالإدمان على الكحول والمخدرات. من الأسباب أيضاً الخيانة الزوجية وعدم التوافق الجنسي. فبعض الأزواج لا يفكرون الا بعواطفهم وغرائزهم و بغض النظر عن مراعاة ظروف الزوجة.

هذا فيما يتعلق ببعض الأسباب التي تخلق تربة خصبة ومناخ ملائم لانتشار العنف الذي يمارسه قسم من الرجال لتأكيد رجولتهم ولو بالقوة بأساليب الضغط المختلفة ،كما أن البعض يفرضون سلطتهم على زوجاتهم ليحققوا ما يرغبون به على حساب الزوجة دون مراعاة شعورها ورغباتها، فهم يرون الزوجة مخلوق خُلق فقط من أجل إمتاع الزوج ، وكأنها لباس يرتديه ويخلعه عندما يشاء.

تصنف الأسرة التي تنتشر فيها أساليب العنف أسرة مفككة قائمة على فشل الحياة الزوجية لأن الحياة الزوجية لا تقوم على العنف بل تقوم على الحوار الهادف ،وعلى حرية الطرف الآخر (الزوجة) في التعبير عن رأيها ومراعاة شعورها واحترامه وكل علاقة زوجية تفتقد لما ذكرناه مصيرها الفشل الذي يتبعه جملة من الظروف تهدد حياة الأسرة. فالزوج الذي يوسع زوجته ضرباً لا يُعتبر سلوكه إنساني بل سلوك منحرف، فهو يعرِّض نفسه للإهانة قبل أن يقوم بإهانتها لأن قيمة الرجل تقدر باحترامه لزوجته.

أثار العنف ضد المرأة:

من المعروف أن لكل مشكلة آثار، ولمشكلة العنف آثار سلبية تتركها على الطفل والمرأة والمجتمع بشكل عام.

فالعنف ضمن الأسرة يترك آثاراً خطيرة على الأطفال بداية لأن العنف سيدفعهم في المستقبل للتعامل بأساليب من العنف ويعرضهم لأزمات نفسية كثيرة، فأساليب العنف التي يراها الأطفال داخل أسرهم هي من أخطر الأساليب السلبية التي يرثها الأبناء عن الآباء ومن ثم تقود أساليب العنف إلى الطلاق وهذا يتسبب في تشرد الأطفال وضياعهم وانحرافهم بعد خروجهم من المدرسة، والخلافات والمشاكل الأسرية غالباً ما تنتهي بنتائج تنطوي على كثير من المآسيالانسانية كالتشويه والإعاقة والإحباط والعقد النفسية والقتل والانتحار وما إلى هنالك من نتائج وخيمة. وهذا ما أوضحته بعض الدراسات الصادرة عن صندوق الأمم للسكان عام 1998، حيث بينت الدراسات أن 70% من الجرائم في (البيرو) ارتكبها الرجال بحق زوجاتهم، وفي (بنغلادش) كانت نسبة 50% من عمليات القتل تُعزى إلى عنف الزوج ضد زوجته، وفي (كندا) 62% من النساء توفين في عام 1987 بطريقة القتل بسبب العنف العائلي، وفي (بابو ـ غينيا) معظم النساء المقتولات قُتلن على يد أزواجهنَّ، وفي (كولو مبيا) 20% من النساء يتعرضن للضرب من قبل الزوج، وفي (النرويج) تبين أن 25% تعرضن لإساءة المعاملة من قبل الزوج جسدياً وجنسياً. وفي دراسة جرت في إحدى مناطق (كينيا) ذكرت أن 42% من النساء يتعرضن للضرب باستمرار من الزوج أو من قريبه.

وفي دراسة جرت في إحدى مقاطعات (الهند) أوضحت أن 41% من حالات الانتحار سببها العنف الزوجي.وفيما يلي نماذج لبعض حالات العنف:

الحالة الأولى: تدور أحداثها حول شابة اسمها حياة في الخامسة والثلاثين من عمرها مهنتها ممرضة ومتهمة بالقتل العمد تقول:

مات والدي وتولى شقيقي الأكبر زمام الأمور وكانت لغة التفاهم في الأسرة هي الضرب، أجبرني أخي على الزواج من شاب لا أحبه وقد توسلت لهذا الشاب كثيراً ليفتش عن فتاة غيري لكنه لم يستجب لتوسلاتي وحدث الزواج بالإكراه وبعد الزواج كان يضربني بشدة وبكل قسوة ثم تزوج بفتاة أخرى وقام بخيانتي عدة مرات وكان يستبيح جسدي باستمرار و دائماً كان يدفع بي إلى سوق الدعارة بشتى أساليب العنف لذلك قررت أن أقتله وقتلته فعلاً. تحتج هذه المرأة على ما حلَّ بها وتصرخ قائلة لماذا حكم الإعدام؟ كان يقتلني كل يوم ألف مرة وأنا قتلته مرة واحدة فقط!

الحالة الثانية: تدور أحداثها حول فتاة (كمبودية) تعرضت لشتى أنواع العنف من قبل زوجها وقد هرعت هاربة إلى أمها التي نصحتها قائلة «لا تخافي زوجك يا ابنتي، فلن يضربك حتى الموت وأكثر ما سيفعله هو أنه سيضربك حتى تفتقدين الوعي وإذا ضربك حتى الموت سأدفن عظامكِ».

الحالة الثالثة: قامت بنشرها إحدى الصحف الهندية تبين لنا كيف يتعامل هذا الزوج مع زوجته التي تقول «مضت فترة طويلة على زواجنا وأنا أنتظر أن يغير زوجي أساليبه القاسية بحقي لكنه لم يتغير وقد أعلمته أنني سأنتحر إذا لم يتوقف عن إيذائي، فقد كنت دائماً أُغطي الكدمات التي تبدو على جسدي بلباس طويل، وفي المرة الأخيرة قال لي لن تستطيعين بعد اليوم إخفاء أي شيء وقام بسكب إحدى المواد القابلة للاشتعال على جسدي وأضاع مستقبلي ولا شيء يهمني الآن سوى أطفالي».

بعد القيام بعرض بعض حالات العنف القاسية الواقعة على المرأة يمكن التساؤل :هل يظهر العنف في مجتمعنا كما هو ظاهر في بعض الدول الأجنبية؟

في حقيقة الأمر أن العنف ظاهرة تسود معظم البلدان العربية والأجنبية وهي واسعة الانتشار في البلدان الأجنبية و العربية معاً خاصة فيما يتعلق بجرائم الشرف ،كما يظهر العنف في البلدان العربية أيضاً على شكل ضرب وسب وإهانة وطلاق وقتل وإجبار المرأة على ممارسة الدعارة بشكل واسع، وقد تصل مظاهر العنف إلى الاغتصاب والاعتداء الجنسي خاصة لا سيما الفتيات الصغيرات.

وفيما يخص حالات الاغتصاب يمكن القول بأن آثاره مدمرة لحياة المرأة الواقع عليها فعل عالاغتصاب ،فالمرأة المغتنصبة تعاني من فقدان الوعي والصدمات النفسية الكبيرة والمرض العقلي وفقدان القدرة على الحب وتدمير مستقبل الفتاة ومستقبل أسرتها نتيجة العار الذي سيلحق بهم، ومن المحتمل أن يؤدي إلى الانتحار. والمتتبع للصحف الرسمية والحوادث اليومية يدرك هذه الحقائق بوضوح.

الاجراءات المتخذة حيال مجابهة العنف:


رداً على مجابهة العنف السائد ضد المرأة ظهرت مؤتمرات كانت تسعى وما زالت إلى مكافحة العنف ضد المرأة كمؤتمر نيروبي للمرأة والمؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الذي عُقد في عام 1993 الذي اعتبر أن العنف النفسي ضد المرأة كالعنف الجسدي،والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عُقد في القاهرة عام 1994، بعد ذلك قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة بعقد اتفاقية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة كاتفاقية السيداو وغيرها من المؤتمرات التي مازالت تعقد بشسكل دوري في العديدمن الدول.

بالتالي فإن المرأة تشكل جزءاً كبيراً من عملية التنمية في المجتمع، فهي تمثل نصف المجتمع وإعاقتها تعني إصابة المجتمع بالشلل لذلك لابد أن تُعطى المرأة دورها الكامل في المجتمع ولن يتسنى لها أبداً أن تأخذ دورها إلا بتهيئة الظروف المناسبة ومساواتها بالرجل، عندها تتمكن من أخذ دورها على أكمل وجه، هذا ما تنبهت إليه السياسات السورية ولفتت الأنظار بوقت مبكر لظاهرة العنف ،بحيث أصبحت المرأة تحظى اليوم بمكانة مرموقة مقارنة بالمرأة في معظم الدول الأجنبية والعربية وصلت من خلالها إلى أعلى المناصب السياسية والقضائية.

علاوةً عغلى ما سبق يجدر الذكر بأن هناك بعض التدابير والمقترحات تسهم في الحد والتخفيف من مشكلة العنف ضد المرأة أهمها:

1- تعديل بعض القوانين التي تميز بين الرجل والمرأة وتطبيق مبدأ المساواة بينهما من حيث الحقوق والواجبات التي يتمتع بها كل شخص في المجتمع.

2- قيام وسائل الإعلام بإظهار المرأة بصورة إيجابية وتبيان مقدرتها وتفوقها وعدم تميزها عن الرجل.

3- نشر الوعي لدى الجنسين وتعريفهم بخطورة الحياة التي تقوم على العنف وانعكاساتها الخطيرة على الأطفال والزوجين معاً.

4- التشديد قانونياً على شبكات الدعارة ومسهليها والعمل على مكافحتها بشتى الوسائل الممكنة.

5- إيجاد فرص عمل للنساء اللواتي يبحثن عن عمل وبدعم من المنظمات النسائية المختصة بشؤون المرأة لمنع تعرضهن للعوز والاستغلال.

6- التخلي عن القيم والتقاليد والعادات السلبية التي تسود في المجتمع والتي تكرس دونية المرأة.

7- تعديل المناهج التعليمية الدراسية منذ المراحل الأولى للعمل على تغيير نظرة المجتمع للمرأة بهدف القضاء على كافة أشكال التمييز بين الجنسين.

8-اعادة النظر ببعض مواد قانون الأحوال الشخصية لا سيما تلك التي تسهل فعل القتل بحجة الدفاع عن الشرف و سن العقوبات الرادعة لها .

وأخيراً يمكن الاشارة الى أن النتائج الناجمة من جراء العنف أكثر ما تظهر بين الزوجين، فغالباً ما يقوم الرجل بالعنف ضد زوجته، لذا لابد من تغيير عقلية الشريك الذكر القائم بالعنف من أجل تحقيق الوئام والاحترام المتبادل بين الزوجين. وكما يقال أن الرجل هو لباس للمرأة والمرأة هي لباس له وكل منهما يسعد صاحبه ويشقيه، فلماذا نختار الشقاء بدلاً عن السعادة والعنف بدلاً عن الوئام والانسجام؟


  المراجع المستخدمة في البحث:

1- صندوق الأمم المتحدة للسكان، العنف ضد الفتيات والنساء، 1998.

2- صندوق الأمم المتحدة للسكان، حالة سكان العالم لعام 1997.

3- مطاع محمد بركات، العدوان والعنف في الأسرة، عالم الفكر، المجلد السابع والعشرون، العدد الرابع، 1999.

4- هويدا كلثوم، جرائم النساء، دار الأهالي، 1996.

5- عبد الناصر سنان، بسيم الطائف، عالم الجريمة والمجرمين، الجزء الأول، 1996.

6- كارين صادر، العنوسة مساحة أنثوية، دمشق، دار المدى، 1996.

7- آمال عبد الرحيم، الطلاق مشكلة أم حل، دمشق، 1995.

8- عائشة بلعربي، الجسد الأنثوي، الدار البيضاء، 1990.

 


شارك اصدقاءك هذا المقال

أتسندون جائزة ابن (...)

أسندت مؤسسة “ابن رشد للفكر الحر”، التي تتخذ من برلين مقرا لها جائزتها لعام 2014 إلى السّيّد راشد الغنّوشيّ، زعيم حركة النّهضة، وجاء هذا القرار قبل بضعة أيّام من الانتخابات التّشريعيّة التّونسيّة. هل هذا من باب الصّدفة؟ وعلى أيّ أساس أسندت إليه الجائزة، وهو ، خلافا لابن رشد، من أهل النّقل لا من أهل العقل؟ لا شكّ أنّ السّيد راشد الغنّوشيّ قدّم مع حركته تنازلات في صياغة الدّستور التّونسيّ الجديد في ما (...)
الفيسبوك
تويتر