الجمعة 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2014
الأوان من أجل ثقافة علمانية عقلانية
الصفحة الرئيسية > إصدارات الرابطة > من مصادر التاريخ الإسلامي، ونصوص أخرى

من مصادر التاريخ الإسلامي، ونصوص أخرى

تأليف: إسماعيل أحمد أدهم

الثلاثاء 8 أيلول (سبتمبر) 2009

بقلم:

الأوان  

شارك اصدقاءك هذا المقال



من المقدمة

مدرسة التحرر الكامل
- إسماعيل أحمد أدهم نموذجاً -

تقديم: محمد كامل الخطيب

«وهل أتاك نبأ ما كان منذ شهرين، إذ نشر شاب في الإسكندرية رسالة في الحديث يعرض فيها للرواية والرواة ونَقَدَ بعض المحدثين، وطعن في بعض الأسانيد، فاجتمع مجلس الوزراء وقرر مصادرة الرسالة. مع أن المعتزلة منذ ألف سنة قد أنكروا أكثر الأحاديث إلا ما أجمع الرواة على صحته، ولم يكفّرهم من أجل هذا أحد ولم يصادر كتبهم من أجل هذا أحد»
أحمد أمين

هذا الشاب هو إسماعيل أحمد أدهم، وهذه الرسالة المصادرة هي: «من مصادر التاريخ الإسلامي؛ 1936».

تُقدم حياة وأفكار إسماعيل أحمد أدهم [1911-1940] سيرة حياتية، فكرية، أدبية، رومنتيكية بامتياز؛ فمن سمات الشخصية الأدبية الرومنتيكية، عادة، أن تكون هذه الشخصية شابة، وأن تكون مريضة، بالسل غالباً، وأن تكون حالمة وثورية وغريبة في مجتمعها وزمانها، وأخيراً أن تموت هذه الشخصية، انتحارا أو مرضا، في عز شبابها وأوج إمكانية عطائها، دون أن تحقق إلا القليل من أحلامها العامة والخاصة.

تلك السيرة الذاتية للشخصية الرومنتيكية أعاد تقديمها على مسرح الثقافة والمجتمع العربيين الحديثين إسماعيل أدهم. فكل هذه السمات اجتمعت في شخصه وحياته، والخلاف الوحيد أن أدهم كان مفكراً وناقداً بدل أن يكون شاعراً على عادة المثقف أو الأديب الرومنتيكي، شأن الشعراء الرومنتيكيين الأور,بيين في القرن التاسع عشر (جون كيتس، شللي، نوفاليس، رامبو، كلايست… الخ)، وشأن الشعراء الرومنتيكيين الحديثين العرب مثل أبي القاسم الشابي [1909-1934] والتيجاني بشير [1912-1937] وغيرهما.

ينتمي إسماعيل أدهم إلى طائفة من المثقفين ما تزال أقلية غريبة، وربما «غربية» أو «متغربنة» كما تُتهم في الثقافة والمجتمع العربيين الحديثين، إذ تمثل هذه الطائفة من المثقفين ما يمكن تسميته، من الناحية الفكرية، ﺑ«الراديكالية» في الثقافة العربية، وربما كانت التسمية الموفَّقة لهذه الطائفة من المثقفين والمفكرين العرب الحديثين هي التسمية التي أطلقها عليها يوسف أسعد داغر في موسوعته كبيرة الأهمية «مصادر الدراسة الأدبية»، إذ سماها ﺑ«مدرسة التحرر الكامل».
رفضت مدرسة التحرر الكامل، التي يمثل إسماعيل أدهم أحد أبرز أركانها، كل عمليات ومحاولات وأفكار التوفيق والتلفيق والوسطية والتعادلية التي وسمتْ مجمل الفكر التحديثي النهضوي العربي، من رفاعة الطهطاوي [1801-1873] في النصف الأول من القرن التاسع عشر، إلى الدكتور محمد عابد الجابري - مثلاً - في النصف الثاني من القرن العشرين، وكأن مدرسة التوفيق والوسطية الحديثة هذه جاءت لتتابع أو لتستأنف تلك المهمة الرائعة، لكن المخفِقة - فيما أرى - للفلسفة العربية في العصور الوسطى بدءاً بالفارابي وانتهاء بابن رشد، إذ كانت محاولة هذه الفلسفة هي التوفيق ما بين قطبين مختلفين إن لم نقل: متضادين.
هاتان المدرستان الفكريتان العربيتان، القديمة والحديثة، إنما تستعيدان، تماماً، المحاولة الرائعة، لكن المخفقة، إياها، للأفلاطونية المحدثة ومدرسة الإسكندرية في التوفيق والتوسط إياه.

يحاول الفكر العربي الحديث، في غالبيته، وفي أهم رموزه وإنجازاته ومجمل مساراته، إنجاز هذه المهمة التي عجزت عنها الأفلاطونية المحدثة والفلسفة العربية القديمة والفلسفة المسيحية في القرون الوسطى، وهذه المهمة هي، كما هو معروف، في بيان التوافق وعدم التعارض - عن طريق التلفيق والجمع بين الأضداد غالباً - ما بين الفلسفة والشريعة، ما بين الدين والعقل، ما بين الإيمان والعلم، ما بين الشرق والغرب، ما بين القديم والجديد، ما بين الأصالة وما بين المعاصرة، ما بين… وما بين… الخ.

إنها «ثنائيات مانوية» تقدّم العالم والفكر والحياة على أنها صراع وتضاد بين النور والظلمة، بين الخير والشر، ولا تنظر إلى وحدة العالم. تستطيع - بالطبع - قديما وحديثا أن تضع، أو أن تصطنع، أو تتخيل، أو تجد ما تشاء من هذه الثنائيات المتضادة ثم تحاول أن «تؤلف» بينها؛ وكأنك ساحر: الفلسفة اليونانية والدين اليهودي والمسيحي لدى الأفلاطونية المحدثة في العالم الروماني. الفلسفة اليونانية والدين الإسلامي لدى فلاسفة العرب في العصور الوسطى. اليهودية والفلسفة لدى موسى بن ميمون؛ متابعاً الفلاسفة العرب في العصور الوسطى. ومن ثم الشرق والغرب، العقل والدين، الأصالة والمعاصرة… الخ. نعم تستطيع أن تعيد اصطناع أو طرح هذه الثنائيات كما يحدث في الثقافة العربية الحديثة، أي ثقافة مرحلة النهضة العربية منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى اليوم، بدءاً برفاعة رافع الطهطاوي (عمله تاريخي ومسوغ)، ومروراً بأحمد لطفي السيد [1872-1963] (وعمله تاريخي ومسوغ أيضاً)، ووصولاً إلى «القوميين العرب» الذين يرون أن «الإسلام هو جوهر العروبة»، وهذا بدون انتهاء إلى «الماركسيين العرب» الذين يبحثون عن الأسس المادية والعقلانية للفكر الحديث عموماً في التراث العربي والإسلامي.
كانت أسس هذا الفكر «الحديث-القديم المتجدد» وغائيته، مع الأسف الشديد، واحدة، ألا هي التوفيق والوسطية، أو «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» على لغة ابن رشد، أكثر فلاسفة العرب ميلاً إلى العقلانية وأكثرهم تأثيراً في الفلسفة العقلانية الأوربية الحديثة، أو الجمع بين «العلم والإيمان» على لغة مرحلة الرئيس المصري محمد أنور السادات.

تمثل «مدرسة التحرر الكامل»، وإسماعيل أدهم من أبرز ممثليها، صوتاً واتجاهاً آخر مناقضاً ورافضاً لهذا التيار التوفيقي-التاريخي العربي الحديث ومدرسته، وبطبيعة الحال هو صوت مناقض ورافض للتيار السلفي ومدرسته. فإذا كان التيار السلفي يقول إن «الأساس» هو الدين والوحي، وكل ما أتى مناقضاً أو مختلفاً فهو مرفوض ومذموم، سواءً أكان القائل، أو المصدر، هو الفلسفة اليونانية، أم العقل، أم أوروبا الحديثة، وإذا كان التيار التوفيقي، قديماً، يحاول التوفيق ما بين فلسفة اليونان ودين العرب، أو ما بين العقل والنقل، ما بين الشريعة والحكمة، وما بين الشرق الروحاني والغرب المادي، أو ما بين الأصالة والمعاصرة، ما بين العقل والإيمان حديثاً، إذا كان ذلك ما يحاولونه ويريدونه في مدارس التوفيق والتوسيط والتعادل، فإن مدرسة التحرر الكامل، وهي مدرسة تضم في عدادها شبلي شميل [1853-1917]، فرح أنطون [1874-1922]، أمين الريحاني [1876-1940]، سليم خياطة [1912-1966]، إسماعيل أدهم، سلامة موسى [1886-1958]، إسماعيل مظهر [1891-1962] (في غالب فكره وحياته) - وربما نستطيع أن نضيف إلى السابقين في النصف الثاني من القرن العشرين عبد الله العروي، صادق جلال العظم، فؤاد زكريا، جورج طرابيشي ومجمل مجموعة ما يعرف باسم «رابطة العقلانيين العرب» اليوم - تمثل رأياً مخالفاً للمدرستين السلفية والتوفيقية، أو قل إنها تمثل تيار العقلانية والعلمانية والعلمية «العربية» الحديثة الكاملة في أقصى حدودها، مثلما تريد التخلي عن كل محاولات التوفيق والتلفيق والوسطية. وقد حدد يوسف أسعد داغر ملامح هذه المدرسة في النصف الأول من القرن العشرين أثناء حديثه عن إسماعيل مظهر قائلاً:
«يمثل مظهر [إسماعيل] قطاعاً متميزاً من تفكيرنا العربي الذي تأثر إلى حد بعيد بالحضارة الغربية والعلم الحديث والدعوة إلى التغريب. فهو من دعاة التجديد في الأدب ومن المطالبين بالتحرر الفكري والديني، هذه الدعوة نهضت بها مجلته «العصور» فكان شعارها «حرر فكرك»، وبذلك بدا تلميذاً ليعقوب صروف، وشبلي شميل، وأمين الريحاني، وفرح أنطون، ودارون، الذين كوّنوا «مدرسة التحرر الكامل» وخلقوا جيلاً من الشباب العربي المؤمن بالحضارة الغربية والنزعة العلمية وتحرير الشرق من روحانيته، وذهبوا مذهب الإيمان المطلق بالفكر الغربي والثقة به إلى أبعد حد، ودفعه في طريق المذهب المادي، والشك الكامل، والسخرية بالتراث العربي والأمجاد القديمة». ........


شارك اصدقاءك هذا المقال

أتسندون جائزة ابن (...)

أسندت مؤسسة “ابن رشد للفكر الحر”، التي تتخذ من برلين مقرا لها جائزتها لعام 2014 إلى السّيّد راشد الغنّوشيّ، زعيم حركة النّهضة، وجاء هذا القرار قبل بضعة أيّام من الانتخابات التّشريعيّة التّونسيّة. هل هذا من باب الصّدفة؟ وعلى أيّ أساس أسندت إليه الجائزة، وهو ، خلافا لابن رشد، من أهل النّقل لا من أهل العقل؟ لا شكّ أنّ السّيد راشد الغنّوشيّ قدّم مع حركته تنازلات في صياغة الدّستور التّونسيّ الجديد في ما (...)
الفيسبوك
تويتر